ابن الفارض
39
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
وإياك ، وإياك : أن تتوهم في صاحب هذا النظم أنه اتّخذ امرأة حبيبته ، وسرد هذا الكلام في حقّها ، وتظنّ أنه أراد بالشراب غير ما قلت من الجمال والحبّ ، فإن هذا الظنّ إثم لا يرتكبه إلّا من حرم حظّ الفهم لكلام أرباب الذوق ، وأحلّ وجه الذات محل الكأس له ؛ لأنه ظرف للجمال الذاتي اللازم ، كالكأس للشراب ، إذ الكأس في عرف العرب يطلق على ظرف فيه شراب ليس إلّا بخلاف القدح ، فإن قيل : يلزم من تشبيه الجمال بالشراب أن لا يكون المسقي إلّا هو ، وقوله : ( سقتني حميّا الحبّ ) ينافيه ، أجيب قائله بأن الحب من الجمال بمثابة الإسكار من الشراب ، ولا شكّ أن انسحاب الحكم على الشرب ليس إلّا باعتبار وصف الإسكار فيه ، فإنه مناط الحكم حقيقة ، وفإن المراد من شرب [ 40 / ق ] الشراب هو السكر ، فالمسقي هو الحب حقيقة ، وإن كان الجمال شرابا . ولمّا كان كتم الحبّ عن الأغيار غيرة على ظهور الأسرار دأب المحبّين وديدن العشّاق ، كيلا يطّلع الغير على ما بينهم ، وبين المعاشيق من التّلاق والعناق . والإبهام نوع من الستر ، قال : فأوهمت صحبي أنّ شرب شرابهم * به سرّ سرّي ، في انتشائي بنظرة أوهمته : أوقعته في وهم وغلط ، والإيهام يقتضي مفعولين ؛ لأنه بمعنى إراءة الشيء على خلاف الواقع ، ف ( صحبي ) أول المفعولين لأوهمت ، والجملة المصدرة ب ( أن ) ثانيها ، ولفظ الصّحب مفرد موضوع لمعنى جمع الصاحب ، لا جمع على الأصح ، كالركب والراكب ، وأراد بصحبة أهل المحبة العامّة ، وقوله : ( بنظرة ) يتعلق ب ( أوهمت ) . وفي انتشائي : حال من الضمير فيه ، والانتشاء : السكر ، يعني : ( أوهمت عشاق جمال الصورة منتشأ ، بواسطة نظرة مني ) إن منظرهم سبب لسرور سرّي ، حيث نظرت إلى محل الحسن ، أو أظهرت السرور فتوهّموا أن سرور سرّي من الشهود الحسن ، ولم يعلموا أن لي في مشاهدة الحسن مشاهدات أخر منتهية إلى مشاهدة جمال الذات الذي استأثرت بشرب شرابه من قدح الحدق ؛ لارتسام صورة الجمال فيه ، وإني لم أحتج في الشراب إلى قدح الصورة الذي هو ظرف شراب الحسن . كما قال : وبالحدق استغنيت عن قدحي ، ومن * شمائلها ، لا من شمولي ، نشوتي